Selasa, 23 April 2013

Perubahan Fatwa Karena Waktu, Tempat dan Adat

تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال والعادات



المقدمة:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسلام على أشرف خلق الله أجمعين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن مقام الإفتاء في دين الله، مقام عظيم، لا يجوز الاستهانة به، ولا توليته لمن ليس أهلاً له، وقد كان سلف الأمة يستنكرون أن يفتي من ليس مؤهلاً للفتوى، ويحذرون من ذلك، ويتورعون عن كثرة الإفتاء. قال عبد الرحمن بن مهدي: جاء رجلٌ إلى مالك يسأله عن شيء أياما ما يجيبه، فقال يا أبا عبد الرحمن: إني أريد الخروج وقد طال التردد إليك، فأطرق طويلاً، ثم رفع رأسه وقال: ما شاء الله يا هذا، إني إنما أتكلم فيما احتسب فيه الخير، ولست أحسن مسألتك هذه. وسئل الشافعي عن مسألة فسكت، فقيل له: ألا تجيب يرحمك الله! فقال: حتى أدري الفضل في سكوتي أو في الجواب(1). وسئل الشعبي عن مسألة؟ فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تستحي من قول لا أدري، وأنت فقيه العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستح حين قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة32:](2).

وقال ابن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يُسْأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، وما منهم من أحد يحدث بحديث أو يسأل عن شيء إلا ودَّ أخاه كفاه.(3)

لذلك من أبرز ما ينبغي أن يهتم به المفتي، هو مراعاة موجبات تغير الفتوى، والتي قد نصَّ عليها المحققون من علماء الأمة، والتي بسببها تتغير الفتوى، إلى ما يناسب الزمان والمكان والعرف والحال، والذي لا يخالف الشريعة الإسلامية.

والفتوى قد تختلف وتتغير باختلاف وتَغَيُّر ما بنيت عليه، بمعنى: أن هناك من الفتاوى ما تكون مبنية على نصٍّ ثابت في كتاب الله، أو في سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهذا الحكم عامٌ لا تغيير فيه ولا تبديل، فتثبت بذلك الفتوى حينئذ؛ لأن مبناها ليس على زمانٍ أو مكانٍ أو عرفٍ أو حالٍ معين، وهناك من الفتاوى ما تكون مبنية على عرفٍ معين أو معنى معين، أو في حالٍ معينة، فإذا تغيرت هذه الأحوال والأعراف، تغيرت الأحكام، وبالتالي تتغير الفتوى إلى ما يناسب حال الناس واحتياجهم، وأعرافهم، وزمانهم ومكانهم بما لا يخالف النصوص الشرعية.

وإذا كانت الفتوى تتغير، فما هي الأسباب التي بموجبها تتغير الفتوى؟

هذا ما أردت أن أكتب فيه، مع بيان أقوال الأئمة الأعلام في تغير الفتوى، وضرب الأمثلة على ذلك، من زمن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، وممن بعدهم. سائلاً من المولى سبحانه التوفيق والسداد والإخلاص في القول والعمل.

وسيكون السير في هذا البحث على النحو التالي:

1. تعريف الفتوى.

2. الفرق بين الفتوى والحكم.

3. أسباب تغير الفتوى.

4. معنى قاعدة: (تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال والعادات).

5. وقائع وأمثلة دالَّة على جواز تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال والعادات.

فأقول مستعينا بالله، وهو حسبي ونعم الوكيل:

تعريف الفتوى:

أ: تعريف الفتوى في اللغة:

الفتوى: هي ما أفتى به المفتي. قال ابن منظور: "وأَفْتَى المفتي إِذا أَحدث حكماً... والفُتْيا، والفُتْوَى، والفَتْوَى: ما أَفتى به الفقيه"(4).

وقال الفيومي في المصباح المنير: الفتوى "هي اسم من أَفْتَى العالم، إذا تبين الحكم، واسْتَفْتَيْتُهُ: سألته أن يفتي"(5). وقد نقل الزبيدي عن الراغب أن المقصود بالفتوى: هو "الجواب عمّا يُشَكُّ فيه من الأحكام"(6).

ب: تعريف الفتوى في الشرع:

الفتوى في الشرع: هي بيان حكم الشرع في المسألة المعروضة، أو هي نص جواب المفتي(7). جاء في أنيس الفقهاء: "الفتوى: جواب المفتي وكذلك الفتيا"(8). وقال المناوي في التعاريف الفقهية: "الفتوى والفتيا: ذكر الحكم المسؤول عنه للسائل"(9).

وهذا الحكم أو الجواب من المفتي للسائل، إنما يعتمد على دليل، لذلك قال ابن الصلاح: "ولذلك قيل في الفتوى: إنها توقيع عن الله -تبارك وتعالى-"(10). وبمثله نقل النووي.(11)

الفرق بين الفتوى والحكم:

هنالك ثلاثة فروق بيَّنها الفقهاء بين الفتوى التي تصدر عن المفتي، وبين الحكم الذي يصدر عن الحاكم، وممن بيَّن هذه الفروق: الإمام القرافي في كتابه الفروق(12)، والإمام ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين(13)، وهذا الفروق مُلَخَّصها كالتالي:

1. الفرق من حيث اللزوم من عدمه، فالمفتي لا يُلْزِم بفتواه، وإنما يخبر بها من استفتاه، فإن شاء قَبل قوله، وإن شاء تركه، وأما القاضي فإنه يُلزِم بقوله للمحكوم بما تضمنه الحكم. قال القرافي: "المفتي مخبرٌ محض، والحاكم منفِّذٌ ومُمضٍ"(14).

2. الفرق من حيث المتعلَّق به، فالفتوى شريعة عامة، تتناول المستفتي وغيره، وأما الحاكم فحكمه جزئيٌ خاص بمن له الحكم أو عليه، ولا يتعدى إلى الغير.

3. الفرق من حيث التوسع في الأحكام من عدمه، فالفتوى تعتبر أوسع دائرة من الحكم، ولذلك تجري في العبادات، وليس للحاكم أن يحكم بصحة التيمم أو فساده، وطهارة الماء أو نجاسته، وقد قالت المالكية: لو أن حاكماً أمر بإعلان وقت دخول رمضان، بناءً على شهادة ممن رأى هلال رمضان، فإعلانه ذلك يعتبر فتوى وليس بحكم. وكذلك إذا قال حاكم: ثبت عندي أن الدين يسقط الزكاة أو لا يسقطها أو ملك نصاب من الحلي المتخذ لاستعمال مباح سبب وجوب الزكاة فيه أو أنه لا يوجب، وبهذا يظهر أن الإمام لو قال: لا تقيموا الجمعة إلا بإذني لم يكن ذلك حكما(15). وقد قال شريح: أنا أقضي ولا أفتي(16). وقال ابن القيم: "فتيا الحاكم ليست حكماً منه، ولو حكم غيره بخلاف ما أفتى به لم يكن نقضاً لحكمه، ولا هي كالحكم"(17). وقد نصَّ القرافي، على أن دائرة الفتوى أوسع من دائرة الحكم، فقال: "كل ما يتأتى فيه الحكم تتأتى فيه الفتوى، ولا عكس، وذلك أن العبادات كلها على الإطلاق لا يدخلها الحكم البتة، بل إنما تدخلها الفتيا فقط، فكل ما وجد بها من الإخبارات فهي فتيا فقط"(18).

معنى قاعدة: (تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال والعادات):

هذه القاعدة يعبِّر عنها بعض العلماء بقولهم: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان(19)، وهي إحدى القواعد المتفرِّعة عن قاعدة: العادة محكمة.

والتغير الذي يحدث في الفتوى، إنما هو للأحكام المبنية على العرف والعادة، فإذا كان العرف والعادة يستدعيان حكماً ثم تغيرا إلى عرفٍ وعادةٍ أخرى، فإنَّ الحكم يتغير إلى ما يوافق ما انتقل إليه عرفهم وعادتهم، وبتغير الأزمان كذلك تتغير احتياجات الناس وأعرافهم، فيتبع هذا التغير اختلاف الفتوى. فقد بين السبكي في فتاواه، أن هذا التغير، إنما هو باختلاف الصورة الحادثة، فإذا حدثت صورة على صفة خاصة، علينا أن ننظر فيها، فقد يكون مجموعها يقتضي الشرع له حكما.(20)

وعندما نقول: إن الفتوى تتغير، فليس المعنى، أنَّ أحكام الشريعة كلها قابلة للتغيّر، وذلك لتغير الزمان والمكان والعرف؛ لأن أحكام الشريعة، منها: ما هو ثابت دائم لا مجال فيه للتغير والاختلاف، مهما تغيّرت الظروف والأحوال كوجوب الواجبات، والحدود المقررة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه. ومنها: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له، زمانا ومكانا، وحالاً، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإنّ الشرع ينوِّع فيها بحسب المصلحة، وهذا يدلّ على مرونة الشريعة وسعتها. قال في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: "إن الأحكام التي تتغير بتغير الأزمان هي الأحكام المستندة على العرف والعادة; لأنه بتغير الأزمان تتغير احتياجات الناس، وبناء على هذا التغير يتبدل أيضا العرف والعادة وبتغير العرف والعادة تتغير الأحكام"(21). وقد نقل الزركشي عن العز ابن عبد السلام أنه قال: "يحدث للناس في كل زمانٍ من الأحكام ما يناسبهم. قال: وقد يتأيد هذا بما في البخاري عن عائشة أنها قالت: لو علم النبي -صلى الله عليه وسلم- ما أحدثته النساء(22) بعده لمنعهن من المساجد(23)"، وقول عمر بن عبد العزيز: "يحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور(24)، أي يجددون أسبابا يقضي الشرع فيها أمورا لم تكن قبل ذلك؛ لأجل عدمه منها قبل ذلك،لا لأنها شرع مجدد"(25). وقال ابن القيم بعد أن ذكر أن الفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان والعوائد والأحوال، ما نصه: "هذا فصل عظيم النفع جدا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة، وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها"(26).

أسباب تغير الفتوى:

مما يعلم أن الفتوى لا تصدر إلا ممن له الاجتهاد فيما سئل عنه، وهذا بناءً على أن الاجتهاد يتجزأ، وهو ما رجحه الإمام السيوطي، حيث قال في منظومته المسماه: (الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع): والمرتضى تجزِّي الاجتهاد.(27)

وإذا كانت الفتوى لا تصدر إلا من أهلها، فمعنى هذا أنها لا تصدر إلا بعد بذل الجهد، والنظر في الأدلة، ثم بيان ما توصل إليه المفتي، ومن هذه المسائل التي قد تعرض على المفتي، ما يكون الدليل فيها واضحاً، ولا خلاف فيه، ومن هذه المسائل ما يكون فيها مجالٌ للمجتهدين أن ينظروا في الشواهد والقرائن والقياس، حتى يصلوا إلى حكمٍ في ما سئلوا عنه.

والذي يجعل الفتوى تتغير، هو ما إذا كان الحكم الشرعي مبنيّا على عرف بلدٍ معين، ثم تغير هذا العرف، إلى ما لا يخالف النص الشرعي، أو كان هذا الحكم مبنيّا على مكانٍ معين، أو حالٍ معينة، ثم حدث تغيُّرٌ في ذلك المكان أو الحال، فعندئذٍ تتغير الفتوى بتغير المدرك الذي كان قد وُضع عليه الحكم سابقاً، وهذه الأسباب التي بها تتغير الفتوى قد نص عليها الفقهاء في كتبهم(28)، واعتبروها من موجبات تغير الفتوى، وإليك بيان الأسباب التي بها تتغير الفتوى.

السبب الأول: تغير الزمان:

معنى تغير الزمان: هو انقراض العصر السابق، أو جزءٍ منه، وتوالي الأجيال اللاحقة، ومما يلازم هذا التغير في الزمان، تغير احتياجات الناس، وأحوالهم، وأعرافهم، وبالتالي تتغير الفتوى بسببه. قال الزركشي في كتابه: (البحر المحيط في أصول الفقه): "إنَّ الأحكام تتغيّر بتغيّر الزّمان"(29). وقال ابن تيمية: "ن الفتوى تتغير بتغير أهل الزمان، وهذا صحيح على مذاهب العلماء من السلف والخلف"(30).

السبب الثاني: تغير المكان:

معنى تغير المكان: هو اختلافه، إما باختلاف بلد المسلمين، أو باختلاف الدار: دار الإسلام، ودار غير الإسلام، فكون الإنسان يعيش داخل مجتمع مسلم، فإن المجتمع المسلم مُطالبٌ بالالتزام بأحكام الشريعة، فمن طبيعة هذا المجتمع أن يعين المسلم على القيام أحكام الشريعة الإسلامية وتطبيقها، وهذا بخلاف دار غير المسلمين، ولذلك فإن الفتوى التي بنيت على مكانٍ معين، تتغير باختلاف المكان.

السبب الثالث: تغير العادات:

معنى تغير العادات: هو اختلافها من بلد إلى آخر، فإن الفتوى التي بنيت على عادةٍ معينة، تتغير إذا تغيرت تلك العادة؛ لأن مدرك الحكم إنما كان عليها، وبذلك قال السرخسي الحنفي(31). وقد بيَّن صاحب كتاب أنوار البروق، وهو من المالكية: أن المفتي إذا جاءه رجل يستفتيه عن لفظةٍ من الألفاظ التي تختلف بها البلدان، فلا يفتيه بحكم بلده بل يسأله هل هو من أهل بلد المفتي فيفتيه حينئذ بحكم ذلك البلد(32). وقال القرافي المالكي: "إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد (جمع عادة) مع تغير تلك العوائد، خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد، يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس هذا تجديداً للاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد، بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد"(33). وقال أيضاً: "فمهما تجدد في العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك... والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين، وعلى هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق والعتاق وصيغ الصرائح والكنايات، فقد يصير الصريح كناية يفتقر إلى النية"(34).

وقد علَّق ابن القيم على ما ذكرته المالكية في اعتبارهم للعرف المتجدد، فقال: "وهذا محض الفقه، ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضر على أديان الناس وأبدانهم"(35).

السبب الرابع: تغير الأحوال.:

معنى تغير الأحوال: هو اختلاف حال الناس واحتياجهم، من حالٍ إلى آخر، وقد نصَّ الإمام ابن القيم على أن يكون المفتي والحاكم على معرفة بأحوال الناس، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فقال: "فهذا -معرفة الناس- أصلٌ عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم، فإن لم يكن فقيها فيه فقيها في الأمر والنهي ثم يطبق أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فإنه إذا لم يكن فقيها في الأمر له معرفة بالناس تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال، وتصور له الزنديق في صورة الصديق، والكاذب في صورة الصادق، ولبس كل مبطل ثوب زور تحتها الإثم والكذب والفجور، وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميز هذا من هذا، بل ينبغي له أن يكون فقيهاً في معرفة مكر الناس وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعرفياتهم، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله"(36).

أمثلة على تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف:

1. حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: «كنا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فجاء شاب، فقال: يا رسول الله، أقبّل وأنا صائم؟ قال: لا، فجاء شيخ، فقال: يا رسول الله، أقبّل وأنا صائم؟ قال: نعم، فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله: "قد علمت نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ يملك نفسه»(37). فيلاحظ كيف أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- في هذا الموضع أجاب الشاب على سؤاله بجواب يختلف عن إجابته للشيخ رغم أن السؤال واحد، مما يدل على مراعاته للأحوال.

2. حديث سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من ضحى منكم، فلا يصبحن بعد ثلاثة ويبقى في بيته منه شيء. فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فعلنا في العام الماضي؟ قال: كلوا وأطعموا وادخروا؛ فإن ذلك العام كان بالناس جهد -أي شدة وأزمة- فأردت أن تعينوا فيها»(38). وفي بعض الروايات: «إنما نهيتكم من أجل الدافّة(39) التي دفَّت»(40). أفاد الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام في حالةٍ معينة، ولعلَّةٍ طارئة، وهي وجود ضيوف وافدين على المدينة، فيجب أن يوفر لهم ما يوجبه كرم الضيافة من لحم الضحايا، فلما انتهى هذا الظرف العارض، وزالت هذه العلة الطارئة، زال الحكم الذي أفتى به الرسول-صلى الله عليه وسلم- تبعا لها، إذ المعلول يدور مع علته وجوداً وعدماً، وتغيرت الفتوى من المنع إلى الإباحة، كما جاء في بعض الروايات: «كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، فكلوا وادخروا»(41). فهذا مثلٌ واضحٌ لتغير الفتوى بتغير الأحوال.

3. حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أن النبي الله -صلى الله عليه وسلم- جلد في الخمر: بالجريد والنعال، ثم جلد أبو بكر: أربعين، فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى، قال ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود، قال: فجلد عمر ثمانين»(42). أفاد هذا الحديث: أنه شارب الخمر جلد في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالجريد والنعال، وفي عهد أبي بكر -رضي الله عنه- قرر العقوبة أربعين، وفي عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- شاور الناس، فجعله ثمانين، أما عثمان -رضي الله عنه- فجلد ثمانين وأربعين، وعلي-رضي الله عنه- ورد عنه الأمران. وقال: كلٌّ سُنَّة.

مما سبق: يتضِّح أن الصحابة -رضي الله عنهم- لم يثبت لديهم حدٌّ معين في الخمر، ولو ثبت لهم ذلك لم يحتاجوا إلى المشاورة فيه، وإلى استعمال الرأي بالقياس على القاذف وغير ذلك من الاعتبارات، وإذا لم يثبت لديهم نص ملزم، فقد تغير حكمهم، واختلفت فتواهم بتغير الزمن واختلاف الأحوال.

4. ومن الأمثلة على تغير الفتوى بتغير الزمان، ما نقله الزرقا: أنه لما ندرت العدالة وعزت في هذه الأزمان، قال الفقهاء: بقبول شهادة الأمثل فالأمثل، والأقل فجوراً فالأقل. وقالوا نظير ذلك في القضاة وغيرهم، إذا لم يوجد إلا غير العدول، أقمنا أصلحهم وأقلهم فجوراً؛ لئلاّ تضيع المصالح وتتعطل الحقوق والأحكام، فقد حسن ما كان قبيحاً، واتسع ما كان ضيقاً، واختلفت الأحكام باختلاف الأزمان، فإن خيار زماننا هم أراذل أهل العصر الأول. وكذلك جوزوا: تحليف الشهود عند إلحاح الخصم، وإذا رأى الحاكم ذلك لفساد الزمان. وجوزوا أيضاً: إحداث أحكام سياسية لقمع أرباب الجرائم عند كثرة فساد الزمان وأول من فعله عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- فإنه قال ستحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، وقد منع عمر بن عبد العزيز عماله عن القتل، إلا بعد إعلامه وإذنه به بعد أن كان مطلقاً لهم، لما رأى من تغير حالهم.(43)

5. ولما رأى أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- ما عليه الناس من فساد الأخلاق أمر بالتقاط ضالة الإبل وبيعها وحفظ ثمنها لصاحبها كما روى ذلك مالك في موطئه(44)، مع نهيه -صلى الله عليه وسلم- عن التقاط ضالة الإبل. وكذلك لما رأى ما عليه الناس من خراب الذمم، في تطليق النساء في مرض الموت لأجل حرمانهن من الميراث، فقد ورَّث تماضر الأسدية، عندما طلقها عبد الرحمن في مرض موته.(45)

6. ولما رأى أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- ما عليه حال الناس، كان يضمِّن الصناع بعد أن كانت يد الصانع أمانة. وقال: لا يصلح الناس إلا ذاك. قال المحمصاني في كتابه (تراث الخلفاء)، وهو يتكلم عن الصحابة الكرام، مانصه: "وقد أقروا مبدأ تغير الاجتهاد فتوسع عمر الفاروق بوجه خاص في الاجتهاد وفي تفسير النصوص بما يلائم حكمة التشريع وفلاح العباد ويناسب تطور الزمان والمكان وتقلبات الأحوال. وتعرض في ذلك لمسائل عديدة منها المؤلفة قلوبهم، والطلاق الثلاثي المتسرع، وبيع أمهات الأولاد، وعدم التغريب في الحدود، وإعفاء السارق من القطع عام المجاعة، وتطوير عقوبة التعزير تأديباً وزجراً للمذنبين والمجرمين، وتحديد عاقلة الدية في القتل والجراح، وتفصيل أمور ضريبة الخراج"(46).

7. وقد كان الإمام أبو حنيفة: يجيز القضاء بشهادة مستور الحال في عهده، اكتفاءًبالعدالة الظاهرة، وفي عهد صاحبيه -أبي يوسف ومحمد- منعا ذلك، لانتشار الكذب بين الناس، وتغير حالهم. قال الكاساني نقلاً عن الحنفية: "هذا الاختلاف اختلاف زمان لا اختلاف حقيقة؛ لأن زمن أبي حنيفة -رحمه الله- كان من أهل خير وصلاح؛ لأنه زمن التابعين، وقد شهد لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالخيرية بقوله: «خير أمتي القرن الذين يلوني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»(47) الحديث. فكان الغالب في أهل زمانه الصلاح والسداد، فوقعت الغنية عن السؤال عن حالهم في السر، ثم تغير الزمان وظهر الفسـاد في قرنهما، فوقعت الحاجة إلى السؤال عن العدالة"(48).

8. ومن الأمثلة على تغير الفتوى بتغير العرف: أنه لما كان لون السواد في زمن أبي حنيفة يعد عيباً. قال: بأن الغاصب إذا صبغ الثوب أسود يكون قد عيَّبه، ثم بعد ذلك لما تغير عرف الناس وصاروا يعدونه زيادة، قال صاحباه: إنه زيادة.

وكذلك الدُّور، لما كانت تبنى بيوتها على نمط واحد، قال المتقدمون -غير زفر- يكفي لسقوط خيار الرؤية رؤية بيت منها، ولما تبدلت الأزمان وصارت بيوت الدور تبنى على كيفيات مختلفة، رجَّح المتأخرون قول زفر، من أن لا بد من رؤية كل البيوت ليسقط الخيار.(49)

9. ومن الأمثلة ما روي عن مالك أنه قال: إذا تنازع الزوجان في قبض الصداق بعد الدخول، فالقول قول الزوج، مع أن الأصل عدم القبض. وعلق القاضي إسماعيل -من فقهاء المالكية- على ذلك بقوله: هذه كانت عادتهم بالمدينة: أن الرجل لا يدخل بامرأته حتى تقبض جميع صداقها، واليوم عادتهم على خلاف ذلك، فالقول قول المرأة مع يمينها، لأجل اختلاف العادات.(50)

10. ومن الأمثلة كذلك: تقدير النفقات، فإن من المسلَّم به، أن لكلِّ مجتمع في أي زمان ومكان مستواه الاقتصادي غنى وفقراً، وتبعا لهذا فيختلف تقدير النفقة من مجتمع إلى مجتمع آخر، والسبب في هذا تغير الحاجات.(51)

11. ومن الأمثلة على تغير الفتوى بتغير حال الناس: ما قاله المتقدمون: إن الدائن ليس له استيفاء دينه من مال المديون حال غيبته، إلا إذا كان من جنس حقه.

وقالوا: على الزوجة أن تتابع زوجها بعد إيفائه لها معجل مهرها حيث أحب، لمَّا كان في زمانهم من انقياد الناس إلى الحقوق، ثم لما انتقلت عادة الناس إلى العقوق، قال الفقهاء: للدائن استيفاء دينه ولو من غير جنس حقه، وقال المتأخرون: لا تجبر الزوجة على متابعة الزوج إلى غير وطنها الذي نكحها فيه، وإن أوفاها معجل مهرها، لتغير حال الناس إلى العقوق.(52)

12. ومن الأمثلة كذلك: ما ذكره السرخسي: أن الأمام أبا حنيفة في أول عهد الفرس بالإسلام، وصعوبة نطقهم بالعربية، رخص لغير المبتدع منهم أن يقرأ في الصلاة بما لا يقبل التأويل من القرآن باللغة الفارسية، فلما لانت ألسنتهم من ناحية، وانتشر الزيغ والابتداع، من ناحية أخرى، رجع عن هذا القول.(53)

13. وكذلك قول الحنفية: إن خاف -أي الرجل- من الولد السوء في الحرة يسعه العزل بغير رضاها، لفساد الزمان، فليعتبر مثله من الأعذار مسقطا لإذنها. قال ابن عابدين معقِّبا على هذا: بأنه تقييد من مشايخ المذهب لتغير بعض الأحكام بتغير الزمان.(54)

والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه الفقير إلى عفو ربه/ يونس عبد الرب فاضل الطلول.

بتاريخ/ 17جماد الثاني 1428هـ الموافق 2/ 7/ 2007 م.

مراجعة: عبد الوهاب مهيوب مرشد الشرعبي.

______________________

(1) بدائع الفوائد 3/ 793.

(2) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي 3/ 244.

(3) سنن الدارمي 1/ 65.

(4) لسان العرب 15/ 145.

(5) المصباح المنير 2/ 462، وانظر: أنيس الفقهاء 1/ 309، وانظر: كتاب العين 8/ 137.

(6) تاج العروس1/ 8531.

(7) أنظر: أصول الدعوة ص: 166.

(8) أنيس الفقهاء 1/ 309.

(9) التعاريف 1/ 550.

(10) أدب المفتي ص: 72.

(11) آداب الفتوى 1/ 14.

(12) انظر: أنوار البروق في أنواع الفروق 7/ 179.

(13) إعلام الموقعين عن رب العالمين 5/ 86.

(14) أنوار البروق في أنواع الفروق 7/ 0 19.

(15) المصدر السابق 7/ 191.

(16) آداب الفتوى والمفتي والمستفي 1/ 7.

(17) إعلام الموقعين عن رب العالمين 5/ 86.

(18) أنوار البروق في أنواع الفروق 7/ 191.

(19) شرح القواعد الفقهية 1/ 149.

(20) انظر: فتاوى السبكي 5/ 29.

(21) درر الحكام 1/ 47، وانظر: القواعد الفقهية على المذهب الحنفي والشافعي للدكتور محمد الزحيلي ص: 319.

(22) أحدثته النساء: يعني من الزينة والطيب وحسن الثياب، شرح صحيح مسلم 1/ 329.

(23) صحيح مسلم 1/ 329، برقم: 445.

(24) الموطأ- رواية محمد بن الحسن 3/ 275.

(25) البحر المحيط 1/ 194.

(26) إعلام الموقعين 3/ 14.

(27) الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع ص: 585.

(28) الفروق مع هوامشه 3/ 321، وانظر: المدخل 1/ 449. وانظر: البحر المحيط في أصول الفقه 1/ 131. وانظر: العرف وأثره في الشريعة والقانون، د/ أحمد المباركي ص: 178.

(29) البحر المحيط في أصول الفقه 1/ 131.

(30) الفتاوى الفقهية الكبرى 2/ 271.

(31) المبسوط 18/ 487.

(32) أنوار البروق في أنواع الفروق 1/ 154- 155.

(33) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص: 231-232.

(34) أنوار البروق في أنواع الفروق 2/ 229.

(35) إعلام الموقعين عن رب العالمين 3/ 255.

(36) المصدر السابق 5/ 59.

(37) مسند أحمد بن حنبل 2/ 220، برقم: 7054. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 4/ 138، برقم: 1606.

(38) صحيح البخاري 5/ 2115، برقم: 5249.

(39) المراد بهم من ورد من ضعفاء الأعراب للمواساة. شرح صحيح مسلم 3/ 1561.

(40) صحيح مسلم 3/ 1561، برقم: 1971.

(41) سنن ابن ماجة 2/ 1055، برقم: 3160. قال الشيخ الألباني: صحيح، صحيح ابن ماجة 2/ 205، برقم: 2558.

(42) صحيح مسلم 3/ 1330، برقم: 1706.

(43) شرح القواعد الفقهية 1/ 229.

(44) الموطأ- رواية محمد بن الحسن 3/ 296، برقم: 848.

(45) الموطأ- رواية محمد بن الحسن 2/ 507، برقم: 574.

(46) تراث الخلفاء الراشدين ص: 589.

(47) صحيح مسلم 4/ 1962، برقم: 2533.

(48) بدائع الصنائع 5/ 401.

(49) انظر: شرح القواعد الفقهية 1/ 227، وانظر: درر الحكام 1/ 47.

(50) أنوار البروق في أنواع الفروق 1/ 154، وانظر: شرح القواعد الفقهية 1/ 228.

(51) أنوار البروق في أنواع الفروق 1/ 154، وانظر: شرح القواعد الفقهية 1/ 228.

(52) شرح القواعد الفقهية 1/ 227.

(53) انظر: المبسوط 1/ 98.

(54) رد المحتار10/ 242

Tidak ada komentar:

Posting Komentar

Please Uktub Your Ro'yi Here...